خطبة الجمعة 23 سبتمبر: أهلُ الاستجابةِ في القرآنِ والسنةِ

 

الجمعة 27 صفر 1444هـ

عناصرُ الخطبةِ:

أولًا: الأمرُ بالاستجابةِ للهِ ورسولهِ

ثانيًا: صورٌ مشرقةٌ لاستجابةِ الصحابةِ رضي اللهُ عنهم

ثالثًا: هل مِن مستجيبٍ؟


المـــوضــــــــــوع


الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليه وسلم. أمَّا بعدُ:


أولًا: الأمرُ بالاستجابةِ للهِ ورسولهِ


لقد أمرَنَا اللهُ عزَّ وجلَّ بالاستجابةِ للهِ ورسولهِ، وأخبرَنَا أنَّ في ذلك حياتَنَا، قال تعالى:{يَا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا استَجِيُبوا للهِ وللرَّسولِ إذَا دعاكُم لما يُحْيِيكمْ} (الأنفال: 25)؛ " قال السُّدِّيُّ: { لِمَا يُحْيِيكُمْ } ففي الإسلامِ إحياؤُهُم بعدَ موتِهِم بالكفرِ ". (تفسير ابن كثير)؛ وقال الشيخُ السعديُّ رحمَهُ اللهُ تعالَى في تفسيرهِ: "يأمرُ اللهُ تعالَى عبادَهُ المؤمنين بمَا يقتضيهِ الإيمانُ منهم وهوَ الاستجابةُ للهِ و للرَّسولِ، أيْ : الانقيادُ لما أمرَا بهِ، و المبادرةُ إلى ذلكَ، والدعوةُ إليهِ، والاجتنابُ لما نهيَا عنه، والانكفافُ والنهيُ عنه".أ.ه

فالمستجيبُ حيٌّ، فعلى قدرِ الاستجابةِ تكونُ الحياةُ، فهي مراتبٌ، كلمَا زادَ العبدُ في الاستجابةِ للهِ وطاعةِ أوامرهِ كلمَا زادَهُ اللهُ هدايةً وتوفيقًا. وقد شبَّهَ اللهُ المستجيبَ لنداءِ اللهِ ورسولهِ بالحيِّ، والذي لا يستجيبُ بالميتِ فقالَ تعالَى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} (الأنعام: 36). 

وقال جلَّ شأنُهُ: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. (الأنعام: 122).

وقد عاتبَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم رجلًا أبطأَ في إجابتهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم – مع أنَّه كان في الصلاةِ -، فَعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ:" كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ؛ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. فَقَالَ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ:{ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ }" (البخاري)؛ وهذا دليلٌ على أنَّهُ يجبُ على المسلمِ أن يمتثلَ أوامرَ اللهِ، وأنْ يجتنبَ نواهيَهُ، وأنْ يعملَ بكتابِ اللهِ وسنةِ رسولهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلم-، وأنْ يحذرَ مِمّا خالفَ النصوصَ.

إنَّ القرآنَ والسنةَ أوامرٌ ونواهي، والشريعةُ الغراءُ جاءتْ لجلبِ المصالحِ ودرءِ المفاسدِ مِن خلالِ تلك الأوامرِ والنواهِي، وكلُّ ذلك فيهِ مصلحةُ العبادِ وفيهِ حِكَمٌ للتحريمِ والتحليلِ عَلِمَهَا مَن عَلِمَهَا وجهلَهَا مَن جهلَهَا، وأنت تلمسُ ذلك في نداءاتِ المؤمنين التسعِ والثمانينَ في القرآنِ الكريمِ والتي تبدأُ بـــ (يا أيُّها الذين آمنوا )، روى ابنُ أبي حاتمٍ في تفسيرهِ، عن ابنِ مسعودٍ -رضي اللهُ عنه- أنَّه قالَ: "إذا سمعتَ اللهَ يقولُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فأرعِ لهَا سمعَكَ، فإنَّه خيرٌ تُؤمرُ بهِ، أو شرٌ تُنهَى عنه."أ.ه

ولقد ذكرتْ عباراتٌ كثيرةٌ تدلُّ على سرعةِ استجابةِ الصحابةِ لأوامرِ اللهِ ورسولهِ، كما في السنةِ المطهرةِ :” سمعًا وطاعةً للهِ ورسولهِ”. ” بأبِي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللهِ” أي : أفديكَ بأحبِّ الناسِ إلىَّ في الحياةِ وهم أبِي وأمِّي.

إنَّ الاستجابةَ مِن سماتِ وصفاتِ المؤمنين كما ذكرَ القرآنُ الكريمُ. قالَ تعالَى: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. (الشورى: 26). وقالَ جلَّ شأنُهُ: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}. (النور: 51، 52). وقالَ سبحانَهُ وتعالًى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (الأحزاب: 36) هذه الاستجابةُ، وذلك التسليمُ، الذي أقسمَ اللهُ تعالَى بنفسهِ على نفيِ الإيمانِ عمَّن لا يملكُهُ في قولهِ تعالَى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما}. (النساء: 65). فلتكنْ دائمَ الاستجابةِ والانقيادِ والخضوعِ لأوامرِ اللهِ وأوامرِ رسولهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم.


ثانيًا: صورٌ مشرقةٌ لاستجابةِ الصحابةِ رضي اللهُ عنهم


تعالوا بنَا في هذه العجالةِ السريعةِ، أسوقُ لكُم بعضَ النماذجِ مِن سرعةِ استجابةِ الصحابةِ الكرامِ لأوامرِ اللهِ ورسولهِ مقارنًا بينَ ذلك وبينَ واقعِنَا المعاصرِ في تطبيقِ هذه النماذجِ. 

لنموذجُ الأولُ: سرعةُ الاستجابةِ لأمرِ تحريمِ الخمرِ: 

لمَّا نزلَ قولُهُ تعالَى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. (المائدة: 90)؛ أخذَ هذه الآيةَ بعضُ الصحابةِ وذهبَ بها إلى أماكنَ شربِ الخمرِ بالمدينةِ ليبلغَهُم التحريمَ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُمُ الخَبَرُ؟ فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، قَالُوا: أَهْرِقْ هَذِهِ القِلاَلَ يَا أَنَسُ، قَالَ: فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلاَ رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ " (البخاري)؛ فانظرْ كيفَ كانتْ الخمرُ شرابَهُم منذُ سنينَ طويلةٍ، ومع ذلك استجابُوا للهِ ولرسولهِ مع أوّلِ خبرٍ؟!!

 قارِنْ بينَ ذلك وبينَ مَن يتلُوا آياتِ تحريمِ الخمرِ ويسمعُهَا ليلًا ونهارًا ، ومع ذلك يدمنُ الخمورَ والمخدرات!!

النموذجُ الثانِي: سرعةُ الاستجابةِ لأمرِ الحجابِ: 

فعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَذَكَرْنَا نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَفَضْلَهُنَّ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنَّ لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ لَفَضْلًا وَإِنِّي -وَاللَّهِ - مَا رَأَيْتُ أفضلَ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ أَشَدَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَا إِيمَانًا بِالتَّنْزِيلِ. لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} ، انْقَلَبَ إِلَيْهِنَّ رِجَالُهُنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِيهَا، وَيَتْلُو الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ، وَعَلَى كُلِّ ذِي قَرَابَةٍ، فَمَا مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا قَامَتْ إِلَى مِرْطها المُرَحَّل فَاعْتَجَرَتْ بِهِ، تَصْدِيقًا وَإِيمَانًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابِهِ، فأصبحْنَ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ مُعْتَجَرَاتٍ، كأنَّ على رؤوسهِنَّ الغربانً." (تفسير ابن كثير؛ و أخرجه أبو داود بنحوه بسند صحيح).

لقد نزلتْ آيةُ الحجابِ في المساءِ، وأخبرَ كلُّ صحابيٍّ أهلَهُ، وجاءتْ النساءُ في صلاةِ الفجرِ خلفَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم محتجباتٌ، كأنَّ على رؤوسهنَّ الغربانَ، قال ابنُ قتيبةَ في غريبِ الحديثِ والأثرِ:" فأصبحنَ على رؤوسِهِنَّ الغربان: أي أنَّ المروطَ كانت مِن شعرٍ أسودٍ، فصارَ على الرؤوسِ منهَا مثلُ الغربانِ". أ.ه

قارنْ بينَ ذلك وبينَ نساءِ المسلمين في هذه الأيامِ، والمرأةُ تخرجُ مِن بيتِهَا كاسيةً عاريةً متعطرةً تحيطُ بها شياطينُ الإنسِ والجنِّ مِن كلِّ مكان!!! وهي تتلُوا آياتِ اللهِ التي نزلتْ منذُ أكثرَ مِن أربعةِ عشرَ قرنًا مِن الزمانِ.

 أمَّا نساءُ الأنصارِ فاستجبنَ مِن خلالِ سوادِ الليلِ!!! فأين هؤلاءِ مِن هؤلاء!! 

النموذجُ الثالثُ: سرعةُ الاستجابةِ لأمرِ تحويلِ القبلةِ: 

لمَّا نزلتْ آياتُ تحويلِ القبلةِ، وأُمِرُوا بالتوجهِ ناحيةَ المسجدِ الحرامِ سارعُوا وامتثلُوا، بل إنَّ بعضَهُم لمَّا علمَ بتحويلِ القبلةِ وهُم في صلاتِهِم، تحولُوا وتوجهُوا وهُم ركوعٌ إلى القبلةِ الجديدةِ، ولم ينتظرُوا حتى يُكملُوا صلاتَهُم. فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَيْنَمَا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ جَاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ أَلَا فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ (البخاري ومسلم).

 سبحانَ الله تحولُوا وهم ركوعٌ، ولم يسوفُوا للصلاةِ التي بعدَهَا، أو اليومِ الذي بعدَهُ، قارنْ بينَ ذلك وبينَ حالِ المسلمين اليوم، فكثيرٌ منهم لا يدخلُ المسجدَ إلَّا في يومِ الجمعةِ، ومنهم مَن لا يدخلُ المسجدَ إلَّا مرةً واحدةً لا مِن أجلِ أنْ يصَلِّي ولكنْ مِن أجلِ أنْ يُصَلَّى عليهِ!!!

النموذجُ الرابعُ: سرعةُ الاستجابةِ لأمرِ الجهادِ: 

فهذا هو حنظلةُ غسيلُ الملائكةِ الذي كان حديثَ عهدٍ بعرسٍ، يسمعُ نداءَ الجهادِ مِن منادِي رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم فينطلقُ ملبيًا النداءَ مسرعًا مستجيبًا لداعِي الله، ولم يتمه حتى يغتسلَ مِن جنابتهِ، وينطلقُ نحوَ المعركةِ، لتكونَ نهايتُهُ السعيدةُ ويلقَى اللهَ شهيدًا وهو جنبٌ فتغسلُهُ الملائكةُ، فيلقبُ بغسيلِ الملائكةِ. على الجانبِ الآخرِ نجدُ بني إسرائيلَ عندمَا طلبَ منهُم موسَى أنْ يدخلُوا القريةَ، ماذا كانَ ردُّهُم؟! يقولُ المولَى عزَّ وجلَّ: {قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، قعدُوا عن الاستجابةِ لأوامرِ اللهِ، فاستحقُّوا العقوبةَ مِن اللهِ التيهَ في الأرضِ، فكمْ مِن تائهٍ في هذه الدنيا؛ لأنَّه لم يسارعْ إلى الاستجابةِ لشرعِ اللهِ تعالَى!!

وهكذا كانتْ سرعةُ استجابةِ الصحابةِ رضي اللهُ عنهم لأوامرِ اللهِ وأوامرِ رسولهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم.


ثالثًا: هلْ مِن مستجيب؟


عليكَ أخي المسلم أنْ تبادرَ وتسارعَ بالاستجابةِ وتقلعَ عن المعاصي قبلَ فواتِ الأوانِ، فيَا مَن تصرُّ على شربِ الخمرِ، أمَا تستحِي مِن اللهِ وتستجيبُ لنداءِ اللهِ قبلَ أنْ يأتيكَ الأجلُ بغتةً! فكم مِن أُناسٍ سكرُوا فماتُوا في سكرِهِم ليلقُوا اللهَ مخمورين، ويا مَن تصرُّ على أكلِ الحرامِ أمَا سمعتَ آياتِ اللهٍ تناديكَ بالكفِّ عن الحرامِ!!

 احذرْ أنْ يحلَّ بك عقابُ اللهِ وسخطُهُ في الدنيا والآخرةِ.

فهذا رجلٌ تركَ الاستجابةَ لرسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلم- كبرًا، فانظرْ ما حدثَ لهُ!! يروي سلمةُ بنُ الأكوعِ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ»، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. (مسلم).

وانظرْ إلى هذا الرجلِ الذي أعرضَ عن الاستجابةِ لأمرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم، كيفَ عاقبَهُ اللهُ تعالَى؟!

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ "( متفق عليه).

" حكي عن بعضِ المحدثِين: أنَّه رحلَ إلى دمشقٍ لأخذِ الحديث عن شيخٍ مشهورٍ بها. - يقولُ المحدثُ: فقرأَ جملةً لكنَّه - أي الشيخ - كان يجعلُ بينِي وبينَهُ حجابًا ولم يرَ وجهُهُ؛ فلمّا طالتْ ملازمتُهٌ له، ورأىَ حرصَهُ على الحديثِ، كشفَ له السترً فرأى وجهَهُ وجهَ حمارٍ! فقالَ لهُ: احذرْ يا بنيَّ أنْ تسبقَ الامامَ، فإنِّي لمَّا مرَّ بِيَ الحديث - يعني: حديثُ أبي هريرةَ السابق - استبعدتُ وقوعَهُ، فسبقتُ الإمامَ، فصارَ وجهِي كمَا ترى! واللهُ تعالَى أعلمُ".( تحفة الأحوذي ومرقاة المفاتيح).

وصدقَ اللهُ حيثُ يقولُ: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ}. (الشورى:47). بل سيودُون الاستجابةَ فلا يستطيعون، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا» (البخاري).

 ومصداقُ ذلك قولُهُ تعالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}.(القلم:٤٢-٤٣).

فعليكمْ بالاستجابةِ لأوامرِ اللهِ وأوامرِ رسولهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم لتفوزُوا في الدينا والآخرةِ.

نسألُ اللهَ أنْ يجعلنَا مِن أهلِ الاستجابةِ، وأنْ يحفظَ مصرَنَا مِن كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.

كتبه خادم الدعوة الإسلامية

فضيلة الدكتور/ خالد بدير بدوي

مصر

 

أسئلة الزائرين

لإرسال سؤال أو التعليق يرجى تسجيل الدخول

أضف تعليقك