أدلة تدوين السنة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

 

أشرنا في المقال السابق إلى وجوب الاحتجاج بالسنة والعمل بها، فالمستغني عنها هو مستغنٍ في الحقيقة عن القرآن، وأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله وعصيانه عصيان لله تعالى، وأن العصمة من الانحراف والضلال إنما يتحقق بالتمسك بالقرآن والسنة جميعاً.

نتناول في هذا المقال دلائل تدوين سنة النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم في عهده، والحقيقة الأولى في هذا الشأن أن التدوين لم يكن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم تدوينًا رسميًا, بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر الصحابة رسميًا بتدوين السنة، ولم يعين لذلك كتبة مثل كُتَّاب الوحي الذين كانوا يدونون القرآن, غير أنه ورد الأمر النبوي لبعض الصحابة رضى الله عنهم بالكتابة بصور فردية غير منتظمة, وبإذن خاص من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد يظن بعضهم أن ذلك الكلام وغيره يتعارض مع قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (رواه الإمام أحمد في مسنده).

فإن ذلك الحديث كان في بداية تدوين القرآن فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ينشغل الصحابة رضى الله عنهم بشيء غير القرآن الكريم.

ومن هنا نهى في بدء الإسلام عن كتابة أي شيء غير القرآن الكريم، وكان ذلك لعدة أسباب منها:

عدم اختلاط كلام النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وعدم ركون المسلمين إلى الكتابة وترك الحفظ، وغير ذلك من الأسباب، و لما زالت تلك الأسباب أذن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في كتابة الحديث لمن أراد من المسلمين.

وقد تمثل هذا الإذن النبوي في مجموعة من الأدلة نوجز بعضها فيما يلي:

  • لما فتح الله تعالى مكة للمسلمين خطب النبي صلى الله عليه وسلم، فقام رجل من أهل اليمن اسمه أبو شاه، وقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه» (رواه الإمام أحمد في مسنده). وعند البخاري زيادة، عن الوليد بن مسلم، قال: قلت للأوزاعي، ما قوله، اكتبوا ؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على صريح إذنه بالكتابة.
  • وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهم، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ؛ وأشار بيده إلى فيه» (رواه أحمد في مسنده).
  • وعن أبي هريرة رضى الله عنه، قال: كان رجل يشهد حديث النبي صلى الله عليه وسلم فلا يحفظه، فيسألني، فأحدثه فشكا قلة حفظه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «استعن بيمينك، وأشار بيده إلى الخط» (أخرجه الترمذي في سننه).

وهناك أدلة غير ذلك كثيرة على إذنه صلى الله عليه وسلم، وقد تعددت آراء العلماء حول العلاقة بين أحاديث الإذن، وحديث النهي المشار إليه في أول هذا المبحث.

وأقوى الآراء في ذلك وأرجحها أن أحاديث الإذن ناسخة لحديث النهي، وعلى ذلك فإن آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم هو الإذن بالكتابة.

وتلقف الصحابة الكرام هذا الإذن النبوي الكريم فشرع كثير، منهم في كتابة الحديث الشريف، فمن الصحابة الكاتبين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد روى البخاري بسنده إلى أبي جحيفة، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.

وهذا الأمر يعد حقيقة علمية توصل إليها كثير من الباحثين، فيقول الأستاذ سيد صقر في أول سطور تحقيقه لكتاب فتح الباري: من الحقائق المطوية في الكتب أن الأحاديث النبوية، قد دونت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي حياة صحابته، فكان لبعض الصحابة كتب تشتمل على ما سمعوا من أحاديث كتبوها بأيديهم، وكتبها عنهم من سمعها منهم، وقد شارك الرسول في تدوين سنته بإملائه على كُتَّابه ما أملى من كتب في الفرائض وغيرها، أو أرسلها إلى من رأى إرسالها إليه، لتكون تبصرة وتذكرة، فيما افترض من ألوان الفرائض، أو أدبهم به من سنن الأدب.

ويقول الدكتور صبحي الصالح، ليس علينا إذن أن ننتظر عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حتى نسمع للمرة الأولى - كما هو الشائع - بشيء اسمه تدوين الحديث، أو محاولة لتدوينه.

وليس علينا أن ننتظر العصر الحاضر لنعترف بتدوين الحديث في عصر مبكر، جريا وراء بعض المستشرقين كجولدزيهر وشبرنجر. لأن كتبنا ووثائقنا وأخبارنا التاريخية لا تدع مجالاً للشك في تحقيق تقييد الحديث في عصر النبي نفسه، وليس على رأس المائة الثانية للهجرة.

 

أسئلة الزائرين

لإرسال سؤال أو التعليق يرجى تسجيل الدخول

أضف تعليقك