كتَّاب السنة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

 

أمتنا أمة علم ومنهج من أول يوم، فلقد كتب الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص السنة الشريفة ودون كتاباته في صحيفة أسماها الصادقة، وكانت قريبة جدًا إلى قلبه، فقد قال تلميذه مجاهد: دخلت عليه فتناولت صحيفة تحت رأسه فتمنع عليّ فقلت تمنعني شيئا من كتبك؟ فقال: هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه فيها أحد، فإذا سلم لي كتاب الله، وهذه الصحيفة، والوهط: فما أبالي ما كانت عليها الدنيا.

والوهط أو الوهطة حديقة كانت لعمرو بن العاص، وآلت من بعده لابنه عبد الله.

ومن الصحابة الكاتبين أبو هريرة، ورغم أنه لا يعرف الكتابة، فإنه كان يستكتب لنفسه، وقد حفظت لنا صحيفة من صحفه رواها عنه تلميذه التابعي همام بن منبه، ثم نسبت إليه فقيل عنها: صحيفة همام، وعرفت بذلك واشتهرت به، ولقد سمعها من شيخه أبي هريرة المتوفي سنة 59 هـ على أرجح الأقوال.

ومن الصحابة الكاتبين، أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له كتاب دفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن القرشي أحد الفقهاء السبعة، ومن كتاب أبي رافع هذا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة، قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». «اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أنت ربي، وأنا عبدك، لا شريك لك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، ولا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، أستغفرك وأتوب إليك ثم يقرأ»

 وكان أنس من الصحابة الكاتبين وقد قابله عتبان بن مالك، فكتب عنه أنس حديث زيارة النبي صلى الله عليه وسلم له، ونص الحديث عند مسلم: روى مسلم بسنده، إلى أنس بن مالك، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك رضي الله عنهم أجمعين،
قال أنس: قدمت المدينة فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك: قال: أصابني في بصري بعض الشيء، فبعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي، وهو حديث طويل وفي آخره، قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني، اكتبه، فكتبه. وكان الناس إذا أكثروا على أنس طلبا للسماع، يلقي إليهم كتبًا، ويقول: هذه كتب سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرضها عليهم، وكان يقول لبنيه: يا بني، قيدوا العلم بالكتاب.

كما أن الصحابي الجليل سمرة بن جندب، رضى الله عنه، قد جمع أحاديث كثيرة، ورثها عنه ابنه سليمان ورواها عنه، وهي على ما يظن الرسالة التي بعثها سمرة إلى بنيه، ومن أحاديثها: «بسم الله الرحمن الرحيم من سمرة بن جندب إلى بنيه: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يأمرنا أن نصلي كل ليلة بعد المكتوبة، ما قل أو كثر ونجعله وترًا». وقد قال ابن سيرين عن هذه الصحيفة: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير، وقد قال الأستاذ سيد صقر عن صحيفة سمرة هذه: وصلت هذه الرسالة كاملة إلى الحسن البصري المتوفى سنة 110 هـ. وكان يعتمد عليها في روايته، ويبيح نسخها لمن يشاء، ويستمع إلى من يرغب في قراءتها عليه.

وابن عباس رضي الله عنه كان أيضا من الصحابة الكاتبين، وكان عند كريب مولى ابن عباس كتب كثيرة من كتب ابن عباس، ولقد تعددت الراويات في أن كريبًا حمل من عند ابن عباس حمل بعير من الكتب، وكان علي ابنه (ابن عبد الله بن عباس) يبعث إلى كريب إذا أراد كتابا من كتب أبيه، فيبعث كريب إلى علي بما يريد، فينسخها ثم يردها إلى كريب مرة ثانية، ويقول الدكتور صبحي الصالح، عن كتب ابن عباس هذه، ويتعاقب الناس على الرواية عنها، والأخذ منها، حتى امتلأت كتب التفاسير والحديث بمسموعات ابن عباس ومروياته.

ومن الصحابة الذين كتبوا: جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، وكان له منسك في الحج، كما كانت له حلقة في المسجد النبوي، يلقي إلى تلاميذه من كتبه، وقد روى عنه منسكه في الحج أبو جعفر بن علي بن الحسين، وأخرجه مسلم في صحيحه. وإن أوسع الروايات في وصف حجة الوداع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت من رواية جابر بن عبد الله، وهي تصف تلك الحجة من أول ما عزم على الحج، وهو بالمدينة إلى أن انتهى من مناسكه صلى الله عليه وسلم، وهذه الرواية عند مسلم.

وكل ذلك غير تلك الصحف التي كان يكتبها الصحابة لأنفسهم ولغيرهم، ومنها ما جاء في صحيفة الخليفة الأول أبي بكر لأنس بن مالك، رضى الله عنهما، في الصدقة، ومنها ما رواه ابن سعد، وغيره، قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في جراب سيفه كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وإن لربكم في أيام دهركم لنفحات، فتعرضوا لها» (أخرجه الطبراني في معجمه الكبير).

 

أسئلة الزائرين

لإرسال سؤال أو التعليق يرجى تسجيل الدخول

أضف تعليقك