رواة الحديث من الصحابة رضوان الله عليهم

 

لقد حَثَّ الإسلام على العلم، واهتمَّ النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم المسلمين الكتابة، فأَذِنَ لأسرى غزوة بدر أن يَفْدُوا أنفسهم بتعليم عشرة من صبيان الأنصار القراءة والكتابة، وكان بعض المسلمين يتعلمون القراءة والكتابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، فكثر عدد الكاتبين حتى بلغ عدد كُتَّاب الوحي زُهَاءَ أربعين كاتبًا، فضلاً عن كُتَّاب الصدقات والرسائل والعهود.

وأما رواية الحديث فلم تكن هي الصفة الغالبة على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل التزمت طائفة من أكابر الصحابة المقربين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإقلالَ من الرواية عنه صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر الصديق، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن الجراح، والعباس بن عبد المطلب، بل كان بعضهم يكاد لا يروي شيئاً كسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل أحد العشرة المبشرين بالجنة.

ووجهة نظر هؤلاء المقلين كراهية التحريف، أو الزيادة في الرواية، أو النقصان منها، أو خشيتهم من وقوع الخطأ في الحديث حتى لا ينالهم قوله صلى الله عليه وسلم : «من كذب عَلي متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار» (أورده الإمام أحمد في مسنده)،

ويتبين أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرون ولم يكونوا رضوان الله عليهم على درجة واحدة من العلم بالسنة والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانوا متفاوتين؛ لأن منهم المتفرغ الملازم لرسول الله صلى الله عليه وسلم  يخدمه في معظم أوقاته كأنس وأبي هريرة رضي الله عنهما، ومنهم من له مَاشِيَتُه في البادية أو تجارته في الأسواق

وقد أُلِّفَ في الصحابة رضوان الله عليهم كتب كثيرة تناولت أحوالهم وعلمهم، وحصر ابن الأثير في كتابه «أُسْد الغابة» وهو من أوسع ما ألف في الصحابة، نحو سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسين صحابيًّا، ويُذكر أن الرواة من الصحابة الذين بلغتنا مروياتُهم ألف وثمانمائة صحابي على وجه التقريب، سبعة منهم لكل واحد أكثر من ألف حديث، وأحد عشر صحابيًا لكل منهم أكثر من مائتي حديث، وواحد وعشرون صحابيًا لكل واحد منهم أكثر من مائة حديث، وأما أصحاب العشرات فكثيرون يقربون من المائة، وأما من له عشرة أحاديث أو أقل من ذلك فهم فوق المائة، وهناك نحو ثلاثمائة صحابي روى كل واحد منهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديثًا واحدًا.

فتصور إنسان يعيش حياته كلها لنقل حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو متقن له لا محالة ويمثل علامة في حياته، وكذلك الذي يروي الحديثين والثلاثة إلى العشرة وهم أغلب الصحابة.

وجمع الإمام أحمد بن حنبل مسانيد الصحابة وهو أكمل مسند، وصلنا من رواية ابنه عبد الله، وتبلغ مسانيده فوق التسعمائة من الصحابة وأحاديثه ثمانية وعشرون ألف حديث.

ومع هذه الكثرة الكاثرة من الصحابة ومروياتهم إلا أنه قد أكثرت طائفة منهم رواية الحديث واشتهروا بذلك:

  • 1- فمنهم الصحابي الجليل أبو هريرة (المتوفى سنة 59هـ): وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، وقد اشتهر بكنيته حتى غلبت على اسمه، وهو من أكثر الصحابة حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك لكثرة ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجرأته في السؤال، وحبه للعلم، ومذاكرته لحديث الرسول الكريم في كل حين وفرصة، وقد روى له الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثة آلاف وتسعمائة وسبعة وخمسين حديثًا، وفيها مكرر كثير باللفظ والمعنى ، وله في الصحيحين خمسمائة وسبعة عشر حديثًا، اتفقا على ثلاثمائة وستة وعشرين حديثًا وانفرد البخاري منها بثلاثة وتسعين حديثًا، ومسلم بثمانية وتسعين حديثًا.
  • 2- ومنهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي (المتوفى سنة 73هـ)، وقد اشتهر رضي الله عنه بحرصه على إتباع السنة والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله، وبلغت مروياته ألفين وستمائة وثلاثين حديثًا، أخرج له الشيخان البخاري ومسلم مائتين وثمانين حديثًا، اتفقا على مائة وثمانية وستين حديثا وانفرد البخاري بواحد وثمانين حديثًا ومسلم بواحد وثلاثين حديثًا وكانت وفاته بمكة المكرمة. 
  • 3- ومنهم الصحابي الجليل أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجى (المتوفى سنة 93 هـ) وهبته أمه أم سُلَيْم بنت مِلْحَان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقبله في خدمته، وأقام على ذلك عشر سنين، فشاهد أنس ما لم يشاهد غيره، وبلغت مروياته ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثًا، وأخرج له الشيخان ثلاثمائة وثمانية عشر حديثًا، اتفقا علي مائة وثمانية وستين حديثًا منها، وانفرد البخاري  بثمانين حديثًا، ومسلم بسبعين حديثًا.
  • 4- ومنهم الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري (المتوفى سنة 74 هـ) وهو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، استشهد والده في غزوة أحد، فقاسى أبو سعيد شظف العيش، ويُرْوى أنه كان من أهل الصُّفَّة، ثم شهد معظم الغزوات، وكان يحضر حلقات الرسول صلى الله عليه وسلم ، فتحمل عنه الكثير حتى عُدَّ في المكثرين عنه، وبلغت مروياته ألفا ومائة وسبعين حديثًا، أخرج له منها الشيخان مائة وأحد عشر حديثًا، اتفقا على ثلاثة وأربعين حديثًا منها، وانفرد البخاري بستة عشر حديثًا، ومسلم باثنين وخمسين حديثا.

 

أسئلة الزائرين

لإرسال سؤال أو التعليق يرجى تسجيل الدخول

أضف تعليقك