من أخلاق الصحابة

 

سنظل ندعو إلى الأخلاق الكريمة ونلتمس ذلك من الجيل الأسوة‏,‏ جيل الصحابة الكرام الذين نجح رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوفيق من الله في تربيتهم‏,‏ ونجحوا في تربية من بعدهم‏,‏ ولن نترك ذلك ولو تباعد الزمان‏ .

روي مسلم في صحيحه عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت‏, (فعبادة بن الصامت الصحابي الجليل أبو الوليد وجد عبادة الصغير‏)‏ قال‏:‏ خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا ‏(فالوليد وابنه عبادة حريصان على طلب العلم وسوف نرى أن العلم مرتبطٌ ارتباطا عضويًا بالأدب والأخلاق‏,‏ ومرتبط ارتباطًا عضويًا بالدين وبالعلاقات الاجتماعية وبسير الحياة اليومية‏)‏ فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غلام له ‏(وهذه فرصة لا تعوض حيث التقيا بصحابي جليل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عبد له‏,‏ وهذا يبين أن الولد وأباه -أعني عبادة والوليد- يطلبان العلم معا‏,‏ فالعلم لا يعرف سنًا ولا وقتًا‏,‏ وأن أبا اليسر مع عبده يسعيان أيضًا في طريق العلم‏,‏ حيث إن هذا الغلام‏,‏ وكما سنرى معه مجموعة أوراق‏,‏ وهذه الأوراق تحمل لغرض العلم‏,‏ فقال في وصف ذلك‏:‏ معه ضمامة من صحف‏,‏ وعلى أبي اليسر بردة‏ (أي عباءة‏)‏ ومعافري ‏(نوع من أنواع الملابس كان يصنع في اليمن في قبيلة يقال لها معافر‏,‏ فنسب إليها هذا الزي‏,‏ وشكله مختلف عن العباءة‏,‏ وعلى غلامه بردة ومعافري‏ (أي يرتدي مثل ما يرتدي سيده أبو اليسر‏,‏ لا اختلاف بينهما‏,‏ وهو أمر راعى فيه أبو اليسر عدم التمييز بين السيد والعبد‏,‏ وفضل هذا المعنى على معنى آخر وهو الأناقة‏,‏ حيث لو لبس واحد منهما العباءتين معًا ولبس الآخر المعافريين معًا لكان ذلك عند العرب أوجه وأكثر أناقة‏,‏ ولكن سنفقد حينئذ معنى المساواة‏,‏ ويسمى لبس ثوبين متشابهين في لغة العرب الحلة فقال له أبي‏: (أي الوليد بن عبادة بن الصامت‏)‏ يا عم ‏(ونادى أبا اليسر بكلمة عم لأنه صديق أبيه عبادة بن الصامت‏)‏ إني أرى في وجهك سفعة من غضب ‏(أي أرى على وجهك أثر الغضب‏),‏ قال‏:‏ أجل‏ (أي نعم‏)‏ كان لي على فلان بن فلان الحرامي ‏(نسبة إلى قبيلة بني حرام‏)‏ مال ‏(أي دين‏)‏ فأتيت أهله فسلمت فقلت‏:‏ ثم هو؟‏ (أي هل هو هنا‏)‏ قالوا‏:‏ لا‏,‏ فخرج على ابن له جفر ‏(أي أحد أبنائه الصغار‏,‏ والجفر هو الولد الصغير‏)‏ فقلت له‏:‏ أين أبوك؟ قال‏:‏ سمع صوتك فدخل أريكة أمي‏ (أي اختبأ في حجرة زوجته‏), فقلت‏:‏ اخرج إلي فقد علمت أين أنت ‏(أي أن أبا اليسر رفع صوته بهذه العبارة غاضبًا من أنهم كذبوا عليه أولا قبل أن يخبره الطفل الصغير فأثر هذا في نفسه‏).‏

فخرج فقلت‏:‏ ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال‏:‏ أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك‏,‏ خشيت والله أن أحدثك فأكذبك وأن أعدك فأخلفك ‏(أي أنه كان خجلا من أبي اليسر ومن الاعتذار إليه وعدم سداد الدين وهذا الخجل أوقعه في الكذب‏)‏ وكنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(وهذا سبب آخر وهو شدة تعظيم ذلك الرجل لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏,‏ أنه لم يطق أن يواجهه فجعل من حوله يكذب هذه الكذبة التي أغضبت أبا اليسر‏)‏ وكنت والله معسرا ‏(أي غير قادر على السداد فعلا‏),‏ قال‏:‏ قلت آلله؟ ‏(أي أبا اليسر يستحلف الرجل‏),‏ قال‏:‏ الله ‏(أي أن الرجل حلف بالله أنه صادق‏),‏ قلت‏:‏ آلله؟ قال‏:‏ الله‏,‏ قلت‏:‏ آلله؟ قال‏:‏ الله ‏(استحلفه ثلاثا للتأكيد‏),‏ قال فأتى ‏(يعني أبا اليسر‏)‏ بصحيفته فمحاها بيده ‏(أي ألغى إيصال الدين ومحاه ولم يعد هناك إثبات قضائي يهدد هذا الرجل‏)‏ فقال‏: (أي أبو اليسر‏)‏ إن وجدت قضاء فاقضني ‏(أي إذا رزقك الله بعد ذلك بقيمة الدين فسدده‏)‏ وإلا أنت في حل‏.‏

فأشهد بصر عيني هاتين -ووضع إصبعيه على عينيه- وسمع أذني هاتين ووعاه قلبي هذا -وأشار إلى مناط قلبه- رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(أي أن عينيه رأت وأذنيه سمعت وقلبه حفظ ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ وهو يقول‏:‏ من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله ‏(وكلمة وضع عنه أي أسقط الدين عن المدين‏).‏

قال‏:‏ فقلت له أنا‏: (أي عبادة بن الوليد‏)‏ يا عم لو أنك أخذت بردة غلامك وأعطيته معافريك أو أخذت معافريه وأعطيته بردتك فكانت عليك حلة وعليه حلة ‏(أي كل واحد منهما يرتدي ثوبين متشابهين وهو المسمى بالحلة‏),‏ فمسح رأسي وقال‏:‏ اللهم بارك فيه‏,‏ يا ابن أخي بصر عيني هاتين وسمع أذني هاتين ووعاه قلبي هذا -وأشار إلى مناط قلبه- رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول‏:‏ أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون‏,‏ وكان أن أعطيته من متاع الدنيا أهون علي من أن يأخذ من حسناتي يوم القيامة‏.‏

ويستفاد من هذا الحديث‏:‏ الحرص على طلب العلم وتحصيله‏,‏ وعلى التعليم وبذله للآخرين‏,‏ والأخلاق العالية‏,‏ والعفو عند المقدرة‏,‏ وعدم الوقوف على زلات الناس‏,‏ والاعتذار لهم‏,‏ والتأكد من نقل العلم والدقة والوضوح في ذلك‏,‏ والحرص على المساواة بين البشر‏,‏ والمسامحة في الديون‏,‏ وتأجيل المعسر‏,‏ فاللهم أعنا على أنفسنا وفهمنا دينك في هذه الأيام المباركة.

 

 

أسئلة الزائرين

لإرسال سؤال أو التعليق يرجى تسجيل الدخول

أضف تعليقك