هل المسلمون في حاجة إلى علم جديد يقال له علم الخطاب الإسلامي حقا ؟ والإجابة عندي : نعم إنهم في حاجة إلى ذلك؛ لمقتضيات وجودهم والحفاظ على هويتهم وبقائهم وسط العالم الذي أصبح قرية واحدة، والذي وصل من خلال المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة إلى ما نرى من الجوار وتأثر بعضه ببعض، حتى كادت الحواجز بين الشأن الداخلي والخارجي تتلاشى، وحتى رأينا حجج احتلال أرضنا بالعراق والتهديد باحتلال غيرها هو التأثر بما يجري في الداخل من أمور، ولم يعد مجديا نفعا التمسك بأنه أمر داخلي، ومع رفضنا لهذا المبدأ الذي يستعمله القوي في فرض هيمنته الاستعمارية وتحصيل مصالحه الاقتصادية، فإننا لابد أن نعمل على ما يغير حالنا في طريق الله حتى ينظر الله إلينا بعين الرحمة، ويغير ما بنا، ويوفقنا إلى ما يحب ويرضى (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) [الرعد : 11].
1- ولقد حضرت مؤتمرا في دولة الكويت نظمته كلية الشريعة والدراسات الإسلامية هناك تحت عنوان (الخطاب الإسلامي في خضم الأحداث والمستجدات)، وذلك في الفترة من 17-18 مايو 2004م، وتقدمت فيه ببحث عن أصول هذا الموضوع ودعوته فيه إلى إنشاء علم جديد بعنوان (الخطاب الإسلامي) ولقد وافق المؤتمرون من العلماء على هذا الاقتراح، وجعلوه في توصياتهم، وهو ما يبين أهمية هذه الدعوة ووجوب الإسراع في تبنيها وإدخال هذا العلم ضمن ما يدرس في الكليات الشرعية بالجامعات الإسلامية، خاصة جامعة الأزهر، وسرعة تعاون العلماء على الكتابة فيه وإثرائه وعلى استمداده من علوم عدة يتعاون في ذلك جماعة العلماء حتى يتضح هذا العلم، وتقوم له قائمة.
2- ومن بحوث ذلك المؤتمر الذي حضره من مصر أ.د أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق، وعضو مجمع البحوث الإسلامية و أ.د نبيل غنايم الأستاذ بكلية دار العلوم، أ.د إبراهيم عبد الرحيم الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، زن السودان أ.د عصام البشير وزير الأوقاف، ولفيف من العلماء من سويسرا وفرنسا وتونس والسعودية وسوريا بالإضافة إلى علماء كلية الشريعة بالكويت من أقطار شتى ما يمكن أن يستفاد منه في بناء إطار عام لذلك العلم، ابتدأ وأخص بالذكر بحث أ.د أحمد جاب الله عميد الكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية بباريس، وكان تحت عنوان (انفتاح الخطاب الإسلامي ومتطلبات المرحلة المعاصرة) والذي أكد فيه على أهمية الخطاب الإسلامي في مجال العلاقات الإنسانية.
وذكرني بأستاذنا المرحوم د. ماهر عليش عندما حكى لنا وهو يدرس مادة العلاقات الإنسانية أنه ذهب إلى الولايات المتحدة لنيل درجة الدكتوراه في مادة العلاقات الإنسانية التي لم يكن قد مضى على ولادتها أكثر من ثلاثين عاما، فذهب إلى المكتبة بالجامعة التي يدرس بها ظانا أنه سيجد فيها كتابين أو ثلاثة أو عشرة سينتهي من قراءتها ثم يحضر الدكتوراه ويعود إلى مصر خلال ستة أشهر، وسأل أمين المكتبة عن كتب العلاقات الإنسانية وطلب منه إحضارها مهما بلغت فاصطحبه إلى أحد أدوار المكتبة والذي يمثل دائرة كبيرة تسير حولها سيارة، وقال له : كل ما أمامك من كتب من الأرض إلى السقف بطول هذا الدول كله في العلاقات الإنسانية، لم يذكر لنا د. ماهر عليش هذه الرواية للتسلية، ولا لأن نفتح أفواهنا دهشا وتعجبا من العلم الذي لا يعرف النهاية، بل ذكرها ليربي فينا ملكة أساسية لشهوة المعرفة، وحب الاطلاع والبحث والتأليف، والمعرفة، رحم الله الأستاذ فقد كان مؤمنا بالله ورسوله عاشقا لمصر.
3- ثم تكلم أ.د أحمد جاب الله عن تعدد طرائق الخطاب، وعن خصائص الخطاب الإسلامي، وذكر أنه خطاب يحقق البلاغ المبين، وفيه صفة الحكمة، وصفة الرفق ويراعي شخصية السامع، ويلتزم مبدأ الحرية ومبدأ الاعتدال، ويتجنب إثارة العداوة وردود العفل السلبية، ويلتزم التواضع ولا يضيق بالمعارضة والسؤال، وهو خطاب منفتح؛ لأنه يؤمن بواقع الاختلاف بين الناس، وحق الآخر في اعتقاده بصواب ما يعتقد ويقوم بواجب الشهادة على الناس، ويعلم أنه في عصر الإعلام المفتوح والعولمة وهذا الانفتاح يقتضي أن ينطلق الخطاب من القناعة لدى المتكلم والاستعداد لاستيعاب وتفهم حجة المخالف، والاستفادة من التواصل مع الآخر بمراجعة النفس وتصحيح الخطا وإبراز نقاط الالتقاء مع المخالف.
وخلص من هذا كله إلى وجوب التخصص والتعمق والبعد علن التعميم والسطحية، وغلى الجميع بين الأصالة والتجديد، إلى العناية بالبعد الإنساني في الخطاب الإسلامي، وإلى التصدي بشجاعة للقضايا المثارة وتغليب المنطق العلمي القائم على الإقناع بدل الخطاب الإنشائي، والجمع بين المثالية والواقعية وإبراز الأبعاد التربوية والروحية والحضارية في الخطاب الإسلامي، وتجديد الخطاب الوعظي شكلا ومضمونا، وحسن الاستفادة من تقنيات الخطاب المعاصر ووسائلة، وأهم نقطة في ذلك كله إخضاع الخطاب الإسلامي إلى التقويم الدائم، وأكد فيه هذه النقطة الأخيرة أن وصف الخطاب الإسلامي لا يعني أنه فوق النقد المستمر الذي يؤدي إلى تحسين صياغته، وإعادة ترتيبه والعمل على تصحيح مساره إن حدث ثمة ما يشينه أو يجعله قاصرا أو مقصرا، وهي مسألة في غاية الأهمية غابت على كثير من المتصدرين للخطاب الإسلامي، بل والناقدين لهم حيث شعر الناقد نفسه وكأنه ضد الإسلام لما أن كان معترضا على صوغه وخطابه لأن (الحق في الفكرة لا يقتضي صوبا في صياغتها وحسن عرضها، بل قد تكون الفكرة غاية في القوة ومساء التعبير عنها صيغة وأسلوبا فتفقد قوتها) على تعبير الدكتور أحمد جاب الله في بحثه المذكور.
4- ثم ذهبت مع جماعة من العلماء والمفكرين إلى لندن في الفترة من 6-14 يونيو 2004 لمناقشة صورة الإسلام والمسلمين مع بعض المهتمين من أهل الفكر والعلم والسياسة والاجتماع، فازداد يقيني في وجوب إنشاء ذلك العلم الذي سيعالج تلك القضايا الخاصة المعقدة المركبة التي حيرت الغرب وجعلته مع موروثه الحضاري المصادم والمستعمر لبلاد المسلمين في غاية الاضطراب والتخبط في المعامة حتى مع مواطنيه.
5- وجدت مشكلة الجيل الثالث وما بعده الذي هاجر أجداده من شبه القارة الهندية وغيرها، وشارك في الثورة الصناعية وشارك أبناؤهم في الحروب التي خاضتها بريطانيا، وولد هذا المسلم لا يعرف وطنا سوى هذه الأرض؛ وإذ بالرغم من كل ما تعلمه ونشأ هذ النشأة يذهب لأعمال انتحارية هنا وهناك، والعقل الإنجليزي غير قادر على استيعاب هذه المعضلة، ويخرج له من يقول له : إن الإسلام في ذاته هو السبب؛ لأنه دين صدامي. ويقول برناردلويس : إن الإرهابيين يطبقون الإسلام، وليس أنهم قد انحرفوا عنه، وتبدأ الحيرة لدى غير المسلمين؛ لأنهم رأوهم معمرين سالمين وفجأة يخرج منهم هذا الصنف ويكون برنارد جاهزا بتفسيره هذا، بل إن بعض من أسماؤهم أسماء المسلمين في حيرة أيضا ينشرون هنا وهناك ما يدل على قيام شبه التناقض في أذهانهم.
6- إن علم الخطاب سوف يؤكد على مفاهيم كثيرة تفسر هذه الحالة على وجهها، وتجعلها حالة خلل وتبين وجه هذا الخلل من غير حاجة للحيرة، سيؤكد علم الخطاب على مفهوم الأمة، ولكنه سيؤكد أيضا على مفهوم المرجعية، وعلى مفهوم التخصص، وعلى الفرق بين علم الدين والتدين، وسيؤكد على مفهوم الشروط التي لا يصح العمل إلا بها، فالصلاة لا تجوز بغير وضوء، ولو صلى مائة ركعة، ولا لقبلة غير الكعبة، ولو صلى ألف ركعة، ولا قبل دخول الوقت المعتبر شرعا، وكذلك الجهاد لا يجوز إلا تحت راية، وعندما فقدت الراية فلا جهاد، وسيتحول إلى قتل بدل أن يكون قتالا، ولو ادعى صاحبه أنه في سبيل الله، ففقدان المرجعية والشروط هو سبب الظاهرة مع قيام مفهوم الأمة في ذهن ذلك الشاب، وهو مفهوم صحيح ولكن لم يصله مقيدا بشروط العمل من خلاله فاختل الميزان في يده وأفسد أكثر مما أصلح.
النبي صلى الله عليه وسلم في مكة جاءه خباب يشكو إليه ويطلب النصرة، ويقول خباب بن الأرت رضي الله عنه : (قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو لَنَا في روياة أحمد (فاحمر وجه وتغير لونه). فَقَالَ « قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِى الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) [أخرجه البخاري].
وقد ثبت في السنة النبوية (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأَصْحَاباً لَهُ أَتَوُا النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِى عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً . فَقَالَ « إِنِّى أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ فَلاَ تُقَاتِلُوا) [رواه النسائي].
وقال الله تعالى، وكأنه يخاطب أولئك الجهلة الذين أعماهم الحماس عن الطاعة لربهم : (وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوَهُمْ أَن تَطَؤُوَهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ) [الفتح : 25]
والذي تحير في تناقضه بين نصوص الكتاب المؤكدة للجهاد، ونصوصه المؤكدة للتسامح والعفو والصفح وقبول الآخر لم يعرف شروط كل منهما، وانفكاك الجهة يجعل الاختلاف اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
نؤكد مرة أخرى على وجوب إقامة هذا العلم عسى أن نرى مؤلفاته خلال عشرين سنة قادمة وقد ملأت طابقا بحاله في مكتبة كبرى أو حُمّل على C.D حتى امتلأ به حمولة جهاز الكمبيوتر .. آمين.
English
France
أسئلة الزائرين