مرجعية الأزهر الشريف

 

كلمة المرجعية تقابل في اللغة الإنجليزية authority وهي كلمة تعني السلطة  power، وتعني أيضاً المرجع العلمي المعتمد reference ، والمرجعية التي نعنيها هي مرجعية علمية بالأساس، وليست سلطة دينية كما هو موجود بالمسيحية باعتبار أن البابا (عند الكاثوليك في روما بالفاتيكان) هو المصدر الديني الذي يجوز له التشريع.

وهي سلطة لا وجود لها في الإسلام إلا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وانتهت بانتقاله إلى الرفيق الأعلى، وأصبح المروي من الكتاب والسنة هو المصدر الوحيد للتشريع من خلال عملية الاجتهاد التي يقوم بها المجتهدون الذين تتوفر فيهم شروط معينة نص عليها علم أصول الفقه.

ولذلك رأينا المسلمين يهتمون بعلوم التوثيق في نقل الكتاب والسنة وبعلوم الفهم في وضع منهج واضح سُمي علم أصول الفقه، يعالج المصادر والحجية وطريقة التوثيق والفهم، وبيان المساحة القطعية والظنية في عملية الاجتهاد، وكيفية الإلحاق بالمنصوص عليه، وفك التعارض بين ظواهر النصوص، وبيان مقاصد الشريعة، وبيان شروط المجتهد القادر على فعل ذلك.

أما المساحة القطعية في الشريعة فلا خلاف فيها بين أحد من المسلمين، وتسمى الإجماع، وهي ليست محلا للاجتهاد، وتمثل في الوقت ذاته هوية الإسلام، وأما ما دون ذلك فهي مساحة واسعة يجوز فيها الاجتهاد القائم على علم أصول الفقه، ويختلف المجتهدون في بيان الحكم وفي إيقاع هذا الحكم على الواقع، وهو ما يسمى الفتوى باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ومن هنا كانت المبادئ الفقهية التي رُصد منها نحو ثمانين مذهباً في تاريخ التشريع الإسلامي.

ونتاج هذه المذاهب يُسمى الفقه الإسلامي الوسيع، وقد بقيت منها ثمانية مذاهب مازالت لها أتباع يتبعونها إلى يومنا هذا، وهي الأربعة السنية (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة)، وكذلك الاثنا عشرية (الجعفرية) نسبة إلى جعفر الصادق وعليها شيعة إيران والعراق ولبنان وباكستان والهند، والزيدية وهم شيعة اليمن، والإباضية أتباع ابن إباض وهم منتشرون في سلطنة عمان والجزائر، والظاهرية أتباع ابن حزم الظاهري الأندلسي من علماء القرن الخامس الهجري وبقي له كتابه «المحلى»، وليس له أتباع محددون سوى أفراد يختارونه بين الحين والآخر.

وتعد مصر من خلال الأزهر الشريف أول دولة اعترفت بالمذاهب الثمانية، وقامت بدراستها واعتمادها، ودراسة المقارنة بينها في جامعتها، وذلك بالإضافة إلى أن الأزهر يعد مؤسسة تابعة للدولة، وأنه لديه مجمع البحوث الإسلامية، وهو أول مجمع لدراسة القضايا العامة - وليس الفقهية فحسب- التي تتعلق بالمسلمين في العالم، وكذلك الجامعة الأزهرية التي تضم الآن أكثر من ٤٠٠ ألف طالب، وهي أكبر جامعات الدنيا على الإطلاق وأقدمها على الإطلاق أيضاً، وتشتمل على كل التخصصات في أكثر من ٧٠ كلية، وهي معتمدة لدى جامعات العالم، حتى إن درجة الإجازة العالية (ليسانس) تُعادَل بالماجستير في الدراسات الإسلامية والعربية على جهة الخصوص في كثير من جامعات العالم الكبيرة.

ولدى الأزهر أيضاً تعليم نوعي يبدأ من المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية في أكثر من ٧٠٠٠ معهد تضم مليوناً ونصف مليون طالب، كما أن لديه وافدين من أكثر من ٩٠ دولة، مما جعله مقبولا قبولا عاماً، لدى المسلمين وغير المسلمين في جميع أركان الأرض، وإذا انضم إلى ذلك مواقف الأزهر التي تعبر عن الوسطية، فإنه يكون منفردا في هذا المعنى.

وقد قام الأزهر بالعديد من الإجراءات الدءوبة لتفعيل هذه المرجعية، نذكر منها:

1- إرسال البعثات إلى البلاد الغربية لأعضاء هيئة التدريس للتمكن من اللغة، وللانفتاح على الدراسات الحديثة، بهدف إعداد قادة ودعاة من نوع راق وفريد.

2- تدريس مادة مقارنة الأديان بصورة صحيحة، ومن مصادر الديانات الفعلية، وعمل توأمة مع الجامعات العالمية في هذا الشأن.

3- الاهتمام بتدريس اللغات لخريجي الكليات الشرعية واللغوية، وابتعاث بعضهم للخارج لزيادة المعرفة والاحتكاك.

4- إعادة فتح جامعة الأزهر أمام خريجي الجامعات المصرية الأخرى.

5- فتح جامعة الأزهر لخريجي الجامعات الغربية من أبناء الدول المختلفة.

6- الاهتمام بتدريس المذاهب الثمانية والتخصص فيها، وعمل رسائل الماجستير والدكتوراه في دقائق مباحثها وتاريخها وأصولها.

7- الاهتمام بإنشاء مراكز أبحاث مختلفة في مجالات مختلفة بجامعة الأزهر.

8- الاهتمام الشديد بالتدريب وتنمية المهارات الإدارية والفنية لدى الأساتذة والطلاب والإداريين على حد سواء.

العمل على مقاومة الفكر المتشدد الذي بدأ يبزغ برأسه في المجتمع المصري مُستبدِلا به المنهجَ الوسطى الذي هو صحيح الدين.

وعليه، وبناء على هذه الإجراءات، أصبح الأزهر قادراً على تقديم النصيحة العلمية التي ينبغي أن تصل إلى حد الإلزام لبيان صحيح الإسلام، وللقيام بدور التحكيم، ولحل مشكلات المسلمين في الغرب، ولتقديم اقتراحات للدول والحكومات، ولتصحيح مناهج التعليم، أو الاشتراك في وضعها عندما تتعلق بالمسلمين، ونحو ذلك من الخدمات التي لها أثر في استقرار أوضاع المسلمين في الغرب، وفي شيوع السلام الاجتماعي، وفي اندماج المسلم في مجتمعه، وفي مساعدته لأن يكون مواطنًا صالحًا نافعًا لأهله ووطنه، مشاركًا في بناء الحضارة الإنسانية.

وهنا لابد من الالتفات إلى مسألة المشروعية، وملخصها: أن المسلم يجب عليه أن يلتزم بالمشروعية وموافقة القوانين السائدة في بلاده، وألا يخرج على النظام العام، مما يجعل المشروعية والمرجعية وجهين لعملة واحدة، ومن هنا فإن المرجعية ستلتزم بالمشروعية بحيث تحقق الاندماج التام للمسلم في وطنه. فإن هدف المرجعية هو البحث لإيجاد حلول بواسطة التفاهم بحيث يصبح الأزهر مستودعاً لتفكير المسلم فاصلا بين هوية الإسلام التي لا يمكن التنازل عنها، ومساحة المتاح من المختلف فيه التي يمكن التفاوض بشأنها.

 

أسئلة الزائرين

لإرسال سؤال أو التعليق يرجى تسجيل الدخول

أضف تعليقك